Shared by عاهل آلام العالمين❤️ (@SSU_haytham) 8 months ago

TwitMail followers: 0, following: 0

625 views

تجدد نوحي

*​* *تجدد نوحي، ورأيتُ النورَ ينفلقُ من صوتهِ مبانٍ رفيعة، لا يوازيها بالشهوق شيءُُ إلا صدري. أُغرقتُ في بابِ ذاتي، أتلمسُ فيهِ قصائدًا حُفرت في جسدهِ بقسوةٍ، فلا أكادُ أحسن قراءةً. ربما وجدتُ في هذه الطريقِ دليلاً إلى نفسي؛ أصعد إليها تسلقًا، حتى احترفت صعود الجبال الشاهقات ولم أصل إلا إلى جزيرةٍ صغيرة تحوي في شطرها العالم، والناس، وبعض المخلوقات التي أُحبها. أغلقتُ عيني، وفتحت في جسدي آلافُ العيون؛ الآن يمكنني أن أرى المغادرين مني كيف يتعثرون في متاهةِ ذاكرتي، ثم لا يجدون الأبواب التي جاءوا منها ، أراقبُ صامتًا، شعوري الذي تفجرتُ مِنه الأنهار، كيف صارت إليهِ الواحاتُ غناءَ بهية. نحتُ وسمع صوتي في الأرجاءِ التي رأيتها، فغمقَ لونها، وفقدت بريقًا يلألئ في نواحيها، ثم صار نوحي صمتًا طويلاً، تتفجرُ مِنه الكلمات أدبًا، لقد أستيقظ الصمتُ، وغسل عنه السكوت الطويل، حتى أعطى كلامهُ صمتًا آخر. طردتُ الأبوابَ من جسدي، لتعود أنهارًا في اثمارها، وليعبر مني كل آتٍ إلي، ويرحل، دون أن يطرق الأبواب، دون أن يدري، وأتصنع أني لا أدري، ويخرج الجميع، ويبقى الجميع، وأنا أرى نفسي كيف تتنقل في العالم كغيمةٍ مليئة بالذكريات، تساقط حروفًا، ولعبًا، وبوظة محشوة بأقماع البسكويت المحمص والمغمس بالشكولاتة، والمزين بالقرنفل، وبعض الفيونكات المربوطة على حروفٍ مغموسة في الكريما، والجلي، مع بعض البسكويت الذي نقشت عليه صور بابا نويل، إذ هو بعض الذكريات من لندن، وهكذا تجد كل مدينة فيني غذاءً يُسعدها ، ولا شيء يسعد المدن غير الذكريات؛ خطوات العشاق عليها، أشعارهم على هدى أضوائها، وأحيانًا تحت لمعة القمر في ليلة بدره، ما أجمل طريقنا المزين على ضفتيه بأحاديثنا، تسامرنا الطويل، وعتبنا اللطيف، واجتماعنا في المطاعم نتناقل النكت، وبعض الأحداث التي مررنا بها، ثم نعود لمنازلنا بلطفٍ أكبر مما نعرفه عنا ؛ لأن اللطف ينمو في أعماقنا بتراكم لقاءاتنا، وبتراكم فراقنا، وإن لم نفترق لحظة. نخط دروب المدينة عندما نمشي فيها، ونتوقف عند إشارات المرور عندما نتجه إلى وجهةٍ مُعينة، ونقرأ كلماتنا التي قلناها على اللافتات، وفي أحاديث الجالسين على المقاهي، والجالسين إلى الحب. تجدد نوحي، وبات سرابًا، يغشى أفئدةَ المقتربين مني إلى نهايةٍ إلي لا يحجبها الغبش . أرتلُ صوتي، أرددهُ فيعود بالصدى صوتًا آخر لا أعرفهُ ؛ إِنه الجمال عندما يخرج مني، يعود إلي أضعافًا لا أستطيع لها حصرا. أنفضُ قلبي عن مكتبتي، فيساقط حروفًا، تنمو على خيوط الضوء التي تتسربُ من نافذتي، لتداعبني في كل صباحٍ، ولتناديني باسمٍ لي لم أسمعه قبل اليوم؛ إنّ أيامي يومُُ واحد، أعود فيهِ عاهلاً بصفةٍ أخرى. تجدد نوحي، وبتُ أجمعه في سوطٍ أمرهُ ليقض الفسائل في مضاجع الكلمات، يناديها ، فتخضع طائعة. تجدد نوحي، وذبلت الأشواقُ على أغصان الآلامِ، لم يعد للغياب أيُ معنى؛ هكذا أفهم ذاتي ، فكل ما رحلتُ طالبًا له، عاد إليها، لم أعد بحاجةٍ للمسير، فالأرضُ تسعى إليّ أبدًا. أرسلتُ ألاف الرسائل المحملة بالحب، لقد صار نوحي المُجدد نورًا يعبر الأفئدة، ويدلها منها إليّ فيها. أُهدي بعض كتابةٍ ليّ إلى بائعي الحلوى في أحياء الفقراء، فيتناسخ الخبز، ويتكاثرُ حتى تصير منازلهم خبزًا، وتستيقظ المدينة وقد تحولت إلى منتوجاتٍ مُنوعة من الحلويات، والخبز، هكذا يأكل الكل ، من كل مكان. قمتُ، أناديني في مدى الأسئلةِ جوابًا، ثم أجهشُ باكيًا، وأتحسس في دمعي بحرًا مليئًا بالأسماك الملونة، والأحوات تخرج زعانفها في ميدان وجهي، ما أحلاني باكيًا في فرحتي، وباكيًا في عذاباتي. تجدد نوحي، وعمرتُ ذاكرتي بذكر عامرها، كيف كنا نلتقي جبرًا للمسافة، حتى طويت المسافةُ بين ضلعينا، وكيف كنا نكتب ليلاً، حتى أشرق الصبح من دفاترنا، وكيف كنا وكيف كنا، ثم صرنا في النوحِ نورًا، وفي الشعرِ مورد صبابةٍ وعشق لا يُحد، وفي الكتابة موطن الأضواء يضيء كل مساحةٍ عداهُ . يا عاهل آلام العالمين، نادِ اسمك في الأسماء الأخرى يجبك كل طامحٍ إليك في الوجودِ وتلتقيان، وأغلق عينيك لترى الواصلين إليك من أي سكةٍ كانوا عابرين. *

Comments

Or to leave comment using your Twitter account.